هل الإنسان أصله قرد ؟

هل إن التشابه في الوظائف الحيوية بين الإنسان والقرد والتشابه في أجزاء من الخريطة الجينية بينهما يجعلنا نقول أن الإنسان أصله قرد أو ينتمي إلى عائلة القرود في سلم الكائنات الحية ؟!! وهل هناك تعارض بين العلم وتعليم الكتاب المقدس ؟!

في الواقع أن هناك بعد إنساني يميز الإنسان عن القرد من ناحية مشاعره واحتياجاته النفسية والروح التي فيه، مثلاً هناك الإحتياجين الرئيسيين للإنسان وهما الشعور بالحب والشعور بالتقدير والإنجاز، هذه أمور نختبرها ونشعر بها جميعنا ، مع أنها لا يمكن أن تُقاس بطريقة كمية علمية ...

ماذا نقول عن رغبة الإنسان في النجاح وتحقيق الشهرة وأن تتذكرهم الأجيال من بعدهم على الإنجازات التي عملوها في حياتهم ... ورغم هذا فإن الناس عندما يناقشون هذه الأمور يتكلمون بثقة وقوة كبيرة وبحماس شديد ويسعون وراءها بكل قوتهم وجوارحهم !! لماذا ؟! ... لأنها أمور حقيقية رغم أنه ليس دائماً يمكن قياسها.

قد يكون الجسد يتشابه في بعض العمليات الحيوية أو معظمها، ولكن هناك أبعاد روحية ونفسية لا تخضع للفحص المخبري في حياة الإنسان ( وهذا من أهم ما يميز الإنسان عن القرد مثلاً ) ... نحن ندرك أن هناك الكثير من الأبعاد الروحية في الإنسان تشبه تماماً الكلام الذي قلناه قبل قليل عن الأبعاد الإنسانية المميزة، تجعلنا نقول أن الموضوع ليس فقط تشابه كبير في خريطة الجينات ...

نحن نعتقد أن تقدّم الإنسان في جميع المجالات هو دليل على تفرده بما لا يُقاس عن كل الخليقة، فلا نرى أي نوع من أنواع الخليقة يستطيع أن يبنى على الأجيال السابقة ويتطور بهذا الأسلوب المركب الذي نراه في الإنسان، فالإنسان انتقل في قرن واحد ليصل إلى الفضاء، والتكنولوجيا وتطورها لا حاجة أن نتكلم عنها ... لماذا لم يستطع القرود والحيتان والأسود عمل ذلك على مدى ملايين السنين؟ ألا يوجد نوع واحد من الحيوانات استطاع أن يتطور مثلما فعل الإنسان... نحن لا نعتقد أنه يمكن أن تتطور الحيوانات لتصبح تقود مركبات الفضاء، ولا أن تتعلم لغتنا لنصبح على تواصل حتى لو أفسحنا المجال لها! لماذا لا تعمل حيوانات الغابة مؤتمرات (تتناقش فيها بلغة الحيوان) حول تنظيم الأمور وتقسيم الحصص في الغابات؟ إنها موجودة معاً على مدى ملايين السنين والمفروض أنها استطاعت أن تبني ترتيباً معيناً.

نحن نعتقد أن الأسئلة ستبقى دائماً موجودة وما لم يختار الإنسان أن يسلّم بإيمان ويرتاح في إعلانات الله فسوف يبقى دائماً في حيرة، نحن نختار الإيمان بالله ونستفيد بنفس الوقت من اكتشافات العلماء ونراها دليلاً إضافياً على عظمة إلهنا فنعبده أكثر ، ولكن لنرى ما هي ردة فعل العالِم (إذا كان غير مؤمن) ... إنه يبقى في حيرة عن خالق هذا الكون ... في الواقع هذه مشكلته الشخصية وعليه أن يجد لها حلاً، وأمامه ثلاثين أو أربعين سنة وبعدها سيكتشف الحقيقة، ونحن نشعر بالحزن عليه، فهو المفروض أن يكون أكثر الناس إدراكاً للحاجة لوجود خالق لتفسير كل ما يراه من عجائب ... ولكن إذا كان عالِماً مؤمناً فإنه سيفرح أكثر بخليقة الله، يقول في مزمور 92 الآيات 4- 5 : " 4 لأَنك فرَّحتني يا رَبُّ بِصنائعكَ. بأَعْمال يديكَ أَبتَهِج. 5 ما أَعظمَ أَعمالكَ يا ربُّ! وَأَعمق جدًا أَفْكاركَ! "

نحن لا نعتقد أن هناك قرد بإمكانه أن يتعلم أن يتكلم عن حبه للحياة وعن طموحاته المعنوية التي يسعى لتحقيقها حتى لو سمحنا له أن يتطور كما يشاء، وليس هذا بسبب افتقاده لعضلة اللسان وليس أيضاً افتقاده للقدرة على التخيل كما يقول بعض دارسي حياة القرود، هذا البعد الروحي مفقود عند الحيوانات، وإلى أن يأتي اليوم الذي نسمع فيه قرد يشاركنا بلسانه عن طموحاته ورغباته في الحياة بالعيش لكي تتذكره الأجيال من بعده، عندها فقط يحق لنا أن ننظر بواقعية لفحص إمكانية التشابه) .

هناك سبب آخر من الكتاب المقدس يجبرنا على رفض هذا التصنيف حتى لو كان المقصود به مجرد جينات وتوافق عام في الوظائف الحيوية للإنسان والقرد، وهو قصة الخلق التي جعلت خلق الإنسان في قصة منفصلة عن خلق الحيوانات والبهائم والدبيب مع أنهم خُلقوا في نفس اليوم، وقد تكون القصة في تكوين 1 عامة ولكن هناك قصة مفصلة في الإصحاح 2 ... وفيها نرى أن الله عندما إختار أن يخلق الإنسان فإنه لم يخلقه بطريقة تصاعدية من دبيب أو بهيمة ولكنه يقول بوضوح كبير عن مصدر الإنسان في سفر التكوين الإصحاح 2 والآية 7 : " وَجبلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدمَ ترابا من الأَرضِ، ونَفخَ في أَنْفه نَسمَة حياة. فَصارَ آدم نَفْسا حَيَّةً. "

الفكر المسيحي ليس فكراً متشدداً ولا يحكم بالكفر على الآخرين ويشطب عليهم بسرعة البرق، ولكنه بالمقابل فكر واضح بسيط لا يسمح بالنسبية كثيراً لأن الله يريدنا أن نعيش بدون تشويش وهذا نابع من مبدأ أساسي وهو أن الله محبة وأنه صالح ويريد مصلحتنا ... الآية هنا تقول عن قصة خلق بسيطة واضحة فيها " كن فيكون "من ناحية السرعة والبساطة ... أخذ الرب الإله تراباً (ومن الجميل أن نعرف أن كلمة آدم تعني أحمر أو ترابي في إشارة إلى التراب الأحمر الذي جُبل منه وليس الحيوان الذي تطور منه) ثم بعد ذلك نفخ الله فيه نسمة حياة، والنتيجة صار آدم نفساً حيّة ... من الصعب البحث عن تطور وإيجاده في هذه الآية، فإذا تمسك من يؤمن بالكتاب المقدس بآيات الكتاب المقدس يجد نفسه "مضطراً" إلى الوقوف على الصف المقابل لمن يقول أن الإنسان أصله قرد وتطور عن قرد - وهذا بالمناسبة يختلف عن وضع تصنيف فقط للإنسان أنه من عائلة القرود - فالموضوع في ذهن من يؤمنون بتطور الإنسان أعمق من مجرد تصنيف، وهنا صعوبة التوفيق وهذا ليس تزمت فكري ولكن من يقول أن أصل الإنسان قرد يطلب من المسيحي أن يشطب كل إيمانه بالكتاب المقدس، لأن هذه الآية هي جزء من الكتاب المقدس ورفضها يعني إمكانية وجود أخطاء أخرى، فإذا رفض المسيحي ذلك فهو يتم تصنيفه أنه شخص ضد العلم !! إنه ليس منطق سليم ( بحسب رأينا المتواضع ) ...

ثم نقطة أخرى نراها في هذه الآية وهي القيمة الأدبية المميزة للإنسان، فالآية تقول أن الله جبل الإنسان فهنا نرى يد صانع ماهر يأخذ وقته في صناعة تحفته ، ثم تقول عن الإنسان أنه صار نفساً حيّة بعد أن نفخ فيه " رب الكون " ... إن خلق الإنسان لم يكن مجرد " كن فيكون " وفقط، إن الله وضع من ذاته في الإنسان، وهذا ليس شيئاً رخيصاً حتى نرفضه ببساطة ونقبل بالتطور الذي ينحدر بالإنسان ببساطة إلى منزلة قرد فقط لأن العمليات الحيوية تتشابه ... لغاية الآن لا نستطيع أن بمجرد "نظرية" في العلم حتى لو كان العديدون يؤمنون بها ولكنها لا تزال تُصنف تحت بند "نظرية"، ونطرح بالمقابل إيمان ثمين بإله محب وضع من ذاته في أرواحنا !! نحن نرى فارق شاسع يحاول البعض أن يجعله شيئاً بسيطاً لأنهم لا يدركون قيمة إعلانات الكتاب المقدس ...

لا أحد يعترض على أن يكون العلم له أهدافه الطبية التي تخدم الإنسان، هذا شيء رائع بالفعل ولكن لا نعتقد أن هذه هي النظرة الوحيدة الموجودة، فهذا النوع من العلم لا يتعارض مع الكتاب المقدس، ولكن هناك من يرفض الله أولاً ثم يقول أن الدين يعارض العلم، نحن في هذا الموقع لسنا دعاة ديانات ولكن دعاة علاقة حقيقية صادقة مع الله، ونحن لا نرى أن العلم يتعارض مع الكتاب المقدس بل نعتقد في الحقيقة أنه يدعمه، فلو أخذنا مجال مثل الحفريات والاكتشافات الأثرية التاريخية، فإنه على حد علمنا أن جميع الاكتشافات الأثرية الهامة التي حدثت تدعم حقائق الكتاب المقدس أو على الأقل يمكن إيجاد أكثر من تفسير لها، والثورة الكبيرة التي ظهرت لانتقاد الكتاب المقدس وصحته "التاريخية" في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في حركة النقد العالي أخمدتها الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين، الإنسان يدين للعلم في دعم الكتاب المقدس وليس تفنيده ورفضه .