الجينوم البشري

المقصود بـ"الجينوم البشري" بتلك الخريطة التشريحية التي توضح توزيع "الجينات" أو حاملات الصفات الوراثية في الإنسان داخل الخلايا البشرية. أي توزيع تلك الصفات وعوامل الاستعداد للأمراض المختلفة وغيرها.. حتى السلوك اليومي.

يعد والتر جيلبرت هو صاحب تعبير "الكأس المقدسة لوراثة الإنسان" على "الجينوم" وهو بذلك يلخص أهمية ووظيفة الجينوم. وقد تابع قائلا: "إن ما يجعلنا بشرا لا شمبانزي هو مجرد اختلاف قدره 1% بين طاقمنا الوراثي، والطاقم الوراثي للشمبانزي. وقد قدرت أعداد الجينات ما بين 50 الف و100 الف جين.

يرجع بدء البحث في موضوع "الجينات" عام 1900 حين أعيد اكتشاف "قوانين مندل" للوراثة. ذلك القس الذي أجرى أبحاثه على نبات بسلة الزهور. إلا أن العلماء بعده أثبتوا وجود عوامل حاملة لتلك الصفات التى تحدث عنها مندل.. وهي "الجينات" التي تقوم بدور التوريث من جيل إلى آخر..سواء في الإنسان أو النبات أو الحيوان. وقد بان لهم أن تلك الجينات محمولة على "كروموزومات" داخل نواة الخلية. وتوالت البحوث لبيان علاقتها بالطب والأمراض في الإنسان. وقد تطور البحث إلى البحث في صفات جيدة في الإنسان، وكانت الأفكار الخيالية عند رجال الفكر مثل "السوبر مان" أو "الرجل الأخضر" وغيرهما.

وفي كتاب "الأسس الوراثية في الطب وعلم الاجتماع" للعالم لانسوليت هوجبين عام1931م ذكر أنه إذا أمكننا أن نعثر على مثل هذه الواسمات الصريحة بكل كروموزوم، فسيتوفر لدينا طاقم من دلائل غير متحيزة يمكن بواسطتها أن نفهرس الجينوم البشري، أو نرسم خريطة وراثية للإنسان بتعبير علماء الوراثة المحدثين. وهو ما يشير إلى أنه حتى العقود القليلة السابقة بالقرن الماضي، لم يكن الإنسان على علم تفصيلي لتوزيع الجينات داخل جسم الإنسان. ومن هنا كانت أهمية هذا المنجز العلمي، الذي اعتبره البعض أهم وأخطر إنجاز علمي في بداية القرن الميلادي الجديد.

وتعتمد خرطنة الجينات على تحليل الارتباط، وهذه تقنية ابتدعها قبل الحرب العالمية الأولى، علماء وراثة ذبابة الفاكهة للصفات التى تظهر في صور بديلة مميزة (مثل لون العين) وفي الخمسينيات من القرن الماضى نشط البحث الوراثي على النبات والحيوان، وحتى كان عقد الستينيات كانت أعداد كبيرة من الجينات معروفة، وبدأ التفكير في دراسة الكروموزومات في الإنسان.

أما مشروع "الجينوم البشري" فقد بدأ في الثمانينيات على يد روبرت سينسهايمر وتشارلز ده ليزي. وفي منتصف العقد كانت أعداد الجينات المرضية المكتشفة فاقت كل توقع. كما شاركت مراكز البحوث الطبية الأوروبية الجهود الأمريكية في هذا المجال. وتوالت الأعمال والنتائج حتى أعلنت الخريطة مع بدايات القرن الـ21 . إلا أن العلماء والمفكرين يرون أنه من الحكمة، بل من الواجب والحق ضرورة أن يسير المشروع جنبا إلى جنب مع نوع من التقييم والكبح الأخلاقي. فقد علقت الكاتبة مونيت فاكين عن خوفها بقولها: "يا للتناقض، الجيل الذي أعقب النازي، يقدم للعالم أدوات تتجاوز أكثر الأحلام الهتلرية همجية"!!

أما وقد حاول البعض تحديد أهداف هذه الثورة الجديدة.. بتحسين الخصائص الوراثية التى تؤدى إلى الصحة..الذكاء..الطباع المزاجية التي تؤدى إلى الشعور بالآخر والسلوك الاجتماعي. أي إعادة صياغة طبيعة وصحة الإنسان. تصبح المشكلة هو كيف يصبح الحال والناس كلهم على نفس الدرجة من الصحة والذكاء..الخ؟؟!

وقد هون البعض من بعض المشاكل المتوقعة بموافقتهم على تدخل الحكومة (أي حكومة) في البحث أو خطة العلاج أو حتى أهداف العمل بتقنيات العلم الجديد. إلا أنه مازال الأمر ليس على هذه الدرجة من البساطة، فقد يظهر "هتلر" آخر أو أي قائد عنصري جديد. لقد حدد العلماء هدفهم في البداية البحثية من أجل المزيد من الفائدة التطبيقية لهذه الخريطة الجينية:

أولا؛ برسم خريطة جينية جيدة بالتعرف الدقيق على موقع الجينات على الكروموسومات.

ثانيا؛ بإنتاج قدر مناسب من تلك الشظية التى تحمل عددا مناسبا من الجينات.

ثالثا؛ هو المزيد من سيطرة العلماء على تلك الجينات المقيدة، إلى حد ضم مليون منها في جزء ما يمكن توظيفه بسهولة وفي أي وقت.

لكن المشكلة أن تلك "السلسلة" أو التقييد للجينات وهو ما ينتج ذات الصفات وذات النتائج، جعل البعض يتمرد ويصفون أن تلك التقنية العلمية سوف ينتج عنها ما يشبه السخرية.كما أن فكرة الكائن النموذج أو الكائن المتكامل فكرة تضر اكثر مما تنفع، لما سيتبعها من تماثل ومشاكل. أما وأن إنتاج تلك المقطوعات الكروموسومية أو DNA التى تحمل العديد والعديد من الصفات الحميدة، إلا أن تعدد جهات الإنتاج قد تميز جهة بعض الصفات والسلوكيات ومضادات الأمراض عن غيرها. وقد ظن أو تخيل أحدهم ذات مرة أن إنتاج DNA بها كل الصفات أو أغلبها إلا القليل دون الدرجة المطلوبة، مثل عدم توافر جين مضاد السرطان، قد ينتج عنه الكثير من المشاكل القانونية والأخلاقية فيما بعد.

بالتالي نحن ومنذ الآن في حاجة إلى قوانين منع التفرقة الوراثية، ولحماية الحقوق التي لا يجوز التنازل عنها. إن فكرة بصمة الDNA الذي توضح التركيب الجيني للأفراد على قدر أهميتها، في حاجة إلى وقفة قانونية وأخلاقية قبل قبولها للتعميم. كما أن غلبة العقلية التى تدرس السلبيات والإيجابيات لأبوين مثلا أو لشاب وشابه قررا الزواج، وتغليب البحث عن طفل خالٍ من كل العيوب، قد يؤدى إلى التنازل عن المشاعر، وهو جانب لا نتخيله مع الحياة اليومية بين الناس!!

أخيرا، لقد أدرك العلماء الحاجة إلى واسمات وراثية ذات قدرة متميزة، إلا أن الجانب الخفي في تجاهل المشاعر للأفراد، وهيمنة العقلية التجارية واستغلال الأفراد، والخوف من التماثل الإنساني. وغيرها وغيرها، من المخاوف الحقيقية للتقدم الهائل في هذا الفرع العلمي الجديد.