أنتِ أمٌ متميزة

بمرور السنوات وبينما كان أبناؤنا يكبرون ..أصبح أحد جدران منزلنا عزيزا جداً بالنسبة لنا.. لم نقم بطلاء ذلك الجدار طوال السنوات العشرين التي أمضيناها في ذلك المنزل. مؤخراً وعندما رغبنا في الانتقال إلى منزلٍ آخر، وجدت أنني لا أستطيع ترك هذا الجدار الذي يؤرخ لمراحل نمو أبنائي ، فعليه قاس أولادنا على ذلك الجدار مقدار نموهم عبر السنين. كان الجدار عصا القياس التي قرأوا على تدريجاتها مدى تقدمهم منذ آخر مرة وردوا إليه فيها. وهناك عبّروا عن توقهم إلى معرفة مستواهم ومقدار نجاحهم. ولذلك قمتُ بنسخ تلك اللوحات الثمينة التي رافقت مراحل نمو كلٍّ من أبنائنا.
هل تتساءلين أبداً عن مدى نجاحك ومقدار تأثيرك في تأدية دورك كأم؟
هل تتمنين لو أن هناك جداراً ترجعين إليه لقياس مقدار نموك ومقارنة مدى تقدمك بالمقاييس التي سبق وأن وضعتِها لنفسك؟
إليك اقتراحات لبعض من هذه المقاييس:

1. هل أخلق جوّاً إيجابياً في المنزل؟ إن أردنا لأولادنا أن يتمتعوا بفرحٍ قلبيٍّ حقيقي، فإن هذا الأمر متوقفٌ علينا. علينا أن نخلق جوّاً مفرحاً نستطيع أن ننقله لأبنائنا لا أن نعلّمهم الفرح فحسب. إن استطعنا أن نغرس المواقف الإيجابية فيهم فإننا سنحصد التصرفات الإيجابية في حياتهم. أصبح التهكم والشكوى والتذمر جزءاً طبيعياً من ثقافتنا. لكن علينا أن ننتبه لكي لا نسقط في شباك هذه العادة لئلا تؤثر على مواقفنا ككل ..فنشعر فعلاً بأن أحوالنا سيئة وأننا نتعرض للظلم ونستحق ظروفاً أفضل. قد يعاني أشخاصٌ يتمتعون في الحقيقة بظروف حياةٍ رائعة من الاحباط والاكتئاب لأن الميل إلى تبني المواقف السلبية قد أحكم سيطرته عليهم. أي نوعٍ من الأجواء خلقتِ في بيتك؟ هل تركّزين على مباهج الحياة العائلية وتقللين من شأن الصعوبات؟ هناك في الواقع أمورٌ كثيرة قد تدفعك إلى الإحباط، ولكن هل يجديك الإحباط نفعاً؟ توقفي عن ذلك وابدأي بعدِّ ما تتمتعين به من بركات. قد لا يأتي هذا التصرف بصورةٍ تلقائية بالنسبة لكِ، لذلك عليكِ أن تركّزي على الأمور الإيجابية. وعندما يتصرّف أولادك بإيجابيةٍ مثلك، عليكِ أن تؤيدي تصرفهم هذا وتشجعيه.
أنا شخصيا ، أشكر أولادي مراراً لقولهم شكراً. وأعلم أن لهذا التأييد الإيجابي آثاراً طويلة المدى. حاولي دائما البحث عن أمورٍ سارة للحديث عنها. اجعلي من وقت تناول الطعام على وجه الخصوص، وقتاً للتمتع بشركتكم معاً لا وقتاً للنكد والشكوى. فتشي دائماً عن عباراتٍ إيجابية للرد على العبارات السلبية لتوفير التوازن بين النقد والمدح. أيتها الأم؛ أنصحكِ بالانتباه إلى فخاخ التفكير السلبي في بيتك وتوجيه أبنائك بعيداً عنها. ونتيجةً ذلك، ستتمتع عائلتك على الأرجح بما يلي:
• الشكر بدلاً من الشكوى.
• الاعتزاز بالنفس بدلاً من الشك. • السلام بدلاً من النزاع.
• الثقة بالآخرين بدلاً من وضعهم في موضع الشبهة.
• اليقين بدلاً من الرهبة.
• الراحة بدلاً من القلق.
• الشعور بالأمان بدلاً من الخوف.
• الحرية بدلاً من العبودية... وأكثر من هذه الأمور بكثير.


2. هل أخلق جوّاً مشجّعاً ومحفّزاً؟ تنجح طريقة التشجيع والتحفيز في البيت ، عندما تظهرين محبتك لهم وتريهم كم تهتمين بهم. كوني متأكدة أن لتضحيتك بوقتك وطاقتك ومواهبك في سبيلهم صوتٌ أعلى من الكلمات. يكبر الأطفال عادةً ليصبحوا مثل آبائهم وأمهاتهم شاءوا أم أبوا، لأنهم يكتسبون ويحيون ما يرونه من نماذج حية في حياتهم. ما هو النموذج الذي تقدمينه لأبنائك؟ هل تحملين ذلك التأثير الهادئ والثابت والداعم الذي يهدئ العواصف ويجعلهم يشعرون بأهميتهم؟ في رسالةٍ أرسلها أكبر أبنائي من الجامعة ، عبّر ...لقد أُتيحت لي الفرصة للعمل مع عن امتنــانه لما تلقاه من بعض الطلاب الجدد في الطابق الذي تشجيع وتحفيز في المنزل. أقيم فيه هذه السنة. وقد وجدتُ لقد نجح الأمر بالنسبة له. أن مفتاح التعامل معهم هو إظهار وها هو يراه ينجح في المحبة والاهتمام بهم ومنحهم الثقة حياة آخرين أيضاً ... والشعور بأنهم أفراد مهمون. هذا جاء في رسالته يكفي لتحويل أشدّ الطلاب انطواءً وعزلةً وأكثرهم غروراً في هذا المكان يسعى إلى مصاحبتك....

3. هل أخلق جوّاً نتواصل فيه فعلاً؟ التواصل يعني أكثر من مجرد التواجد ، التواجد يعني أن الجسد موجود في المكان ، وأما التواصل فيعني أن الروح تتلاقى مع أرواح المحيطين وتصغي وتتحاور وتدخل إلى أعماقهم ..حين يحتاج أبناؤك إلى التحدث إليكِ. الإصغاء أمرٌ في غاية الأهمية ويحتاج أولادك أن يعرفوا أنك تصغين إليهم – تصغين حقاً وبانتباه – عندما يمرون بظروفٍ صعبة يحتاجون إلى مناقشتها مع أحدهم. والأم العاقلة هي التي تتحيّن الفرص لتتجاذب أطراف الحديث مع كل واحد من الأبناء أحيانا على حِدة ، وأحيانا أخرى بشكل جماعي .. على أن لا يكون الحديث تعليمات مباشرة وانتقادات موجهة .. كوني حكيمة وسريعة البديهة وأديري الحديث بأسلوب مرح مشوق ..يغريهم بفتح قلوبهم. أما بالنسبة للمراهقين، فستحتاجين على الأرجح إلى حثهم على الحديث. إن الأوقات العفوية وغير الرسمية هي الأوقات التي تتمكنين فيها غالباً من التطرق إلى المواضيع الصعبة. لكن عليكِ في معظم الأحوال أن تحتالي لاختلاق مثل هذه الأوقات. إن لم يرتح أيٌّ منكما للحديث العفوي، فأين ستجدان إذاً الإطار المناسب لفتح ذلك الموضوع المُحرج؟ عليكِ أن تتابعي التحدّث إليهم باستمرار وتشعريهم بالأمان في أوقات المحادثات لكي يتمكنوا من التعبير عن مخاوفهم وشكوكهم وخيبة أملهم. أثناء هذه المحادثات ومن خلال عملية التواصل، يمكنك أن تجسي نبض عائلتك وتعرفي وجهة كلٍّ منهم وتميزي إن كان أحدهم على وشك الانحراف بعيداً عن المسار الصحيح. بالتعرف إلى مواطن الآلام ومكامن الاهتمامات، ستعرفين الحاجات التي ينبغي أن تُسدّ الآن. وهكذا ستتمكنين من سماع صوت جرس الإنذار والتدخل في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة. اتركي ملاحظاتك على ورقة إن لزم الأمر لإخبارهم بالخطة اليومية والمواعيد والتوقعات. فإن لم تقومي بتذكيرهم بواجباتهم وما تتوقعينه منهم، فإنهم يخططون عادةً لبرامجهم الخاصة. ستحُدِّين كثيراً من تذمرهم إن تواصلتِ معهم لكي يتمكنوا من التوفيق بين برنامجك وبرامجهم.

4. هل أخلق جوّاً آمناً؟ عادةً ما يبرع الكبار في إلقاء التوجيهات والتعليمات وفي شرح الحدود المسموح بها والتي يُمنع تخطيها عندما يكون أبناؤنا أطفالاً. من مثل : (ابق بعيداً عن الشارع!) أو (ابتعد عن المدفأة لئلا تحرقك!) أو (لا تحادث الغرباء!) لكن عندما يكبر الأطفال، نفترض أحياناً أن عليهم أن يعرفوا الأمور بواسطة قراءة الأفكار. ونتيجةً لذلك، فإنهم كثيراً ما يعبرون حدوداً لا يدركون وجودها أصلاً. ثم يجدون صعوبة في فهم سبب تعرضهم للتأديب أو العقاب أو أية نتائج أخرى غير سارة لتصرفاتهم. في مثل هذه الأوقات، يُصبح النضوج أمراً مربكاً ومحيّراً. لهذا السبب، عليك أن ترسمي خطوطاً واضحة وتشرحي توقعاتك بوضوح وتذكُري بعباراتٍ صريحة ما تعتبرينه مُسلّماً به بالنسبة لكِ. إن فعلتِ هذا، فإنك توفرين لأبنائك سياجاً واضحاً وحدوداً آمنة تمنحهم الحماية والأمان والراحة في ذات الوقت. يجب أن يعرف أبناؤك بأنهم يتمتعون بالسلام معك كما يتمتعون ببيئة آمنة طالما هم داخل هذه الحدود. أما إذا تجاوزوا هذه الحدود، فيجب أن يفهموا السبب في تلقيهم للتأديب أو تركهم لتحمل نتائج ما فعلوه. قد تتعلق هذه الحدود بالواجبات المدرسية، العلاقات، أعمال المنزل، طريقة الكلام، المحظورات، وهكذا. ارسمي خطوطاً واضحة أيتها الأم. وضعي طبقةً جديدة من الطلاء لتوضيحها من جديد بين الفينة والأخرى لكي لا ينسى أولادك المسار الذي يسلكونه. عندما تفعلين هذا، أنتِ تخلقين بيئةً آمنةً للجميع. 5. هل أخلق جوّاً يتسم بالرحمة والسماحة؟ هل تعودت عائلتك بالخبرة أن تتوقع اللطف والتفهم من قِبلك، أم الشكاية والتذمر؟ هل أنتِ مرنة في تعاملك معهم أم قاسية؟ إذا كنتِ مثلا ؛قد دعوتِ العائلة إلى العشاء، ولم يحضر أحد لأسباب مختلفة، فهل تفترضين الإساءة وتهاجمينهم قبل أن تعرفي الأسباب أم تغفرين لهم وتتركين مجالاً لكلٍّ منهم لتقديم عذرٍ مقبول؟ هل تسمحين لابنك مثلا بأن يبني قلعة مع أصدقائه في غرفة جلوسك وتتركينها هناك طيلة اليوم؟ سيتذكر أبناؤك مثل هذا التصرف الكريم طيلة حياتهم. والسؤال : هل يرى أبناؤك على وجهكِ إشارة (نعم) كتب كارل مينينجر قصةً عن أهمية رسم إشارة (نعم) على الوجه :
عندما كان ثوماس جيفرسون رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، ذهب في رحلةٍ عبر البلاد على ظهور الخيل بصحبة مجموعةٍ من مرافقيه. وفي الطريق، وصلوا إلى حافة نهرٍ هجر ضفافه بسبب الأمطار الغزيرة. كان النهر المائج قد غمر الجسر الذي يصل بين ضفتيه، وكان على كلِّ مسافرٍ أن يخوض النهر على ظهر حصانه مجاهداً لكي ينجو بحياته ضد التيار السريع. كان الموت الحقيقي يهدد كلاًّ من العابرين ... مما دفع مسافراً غريباً عن المجموعة إلى الوقوف على جانب النهر مكتفياً بمراقبة ما يجري. وبعد أن نجح عددٌ منهم في اقتحام الأمواج وعبروا إلى الضفة الأخرى، طلب المسافر الغريب من الرئيس جيفرسون أن ينقله معه إلى الجهة المقابلة من النهر فوافق الرئيس دون تردد... وامتطى الرجل ظهر الحصان خلف الرئيس وبعد برهةٍ وجيزة كان الاثنان قد عبرا بسلامٍ إلى الضفة المقابلة. عندما نزل الغريب عن ظهر الحصان، بادره أحد أفراد المجموعة بالسؤال: أخبرني، لماذا اخترت الرئيس بالذات لكي تطلب منه هذه الخدمة؟ صُدم الرجل الغريب من السؤال واعترف بأنه لم تكن لديه أدنى فكرة بأن هذا الرجل هو الرئيس. وقال: كل ما أعرفه هو أن إشارة 'لا' كانت مرسومة على وجوه بعضكم، وإشارة 'نعم' كانت مرسومة على وجوه آخرين. اخترته لأن إشارة 'نعم' كانت مرسومة على وجهه... هل يشعر أولادك بالراحة والأمان عندما يطلبون منكِ شيئاً لأن إشارة "نعم" مرسومةٌ على وجهك؟ هل ترتسم على وجهك عباراتٌ تقول: "لا بأس إن أخطأت، فأنا ما زلت أحبك رغم ذلك!" هل تشعرين بأنك تستمعين فعلاً إلى طلبات أبنائك؟ هل يؤمنون بأنهم مهمون بالنسبة لكِ إلى درجة أنك ستتجاوبين بمرونة مع احتياجاتهم؟ السماحة والرحمة تعنيان أن أولادك يشعرون بأن ردة فعلك سوف تكون: "لا بأس ؛ كل شيءٍ على ما يرام. لا تقلق!" في بعض الأحيانٍ ، لا بل في أحيانٍ أكثر مما نعتقد، يحتاج أبناؤنا إلى من يُشعرهم بالرأفة والرحمة والتسامح خاصةً عندما لا يستحقون ذلك!

وإن فكّرتِ في الأمر لبرهة، فنحن جميعاً نحتاج إلى هذا... في الواقع، إن هذا هو معنى الرحمة: إنها النعمة التي لا نستحقها. حسناً! ما هي نتيجة وقوفك بجانب جدار القياس؟ كيف يبدو مظهرك في التقييم؟ هل تشعرين بأنك أمٌ عظيمة؟ أحياناً، لا بل مراراً، نشعر بكل شيء عدا كوننا عظماء! الأمور تجري على وتيرةٍ واحدة. الأولاد لا يبدون أي اهتمامٍ بجهودك ولا يقدرونها. وأنتِ لا تمتلكين وقتاً لنفسك! لا تيأسي أيتها الأم ، لا تشعري بتخلفك عن الوصول إلى المقياس الذي تبتغين. أنتِ تقومين بأهم عملٍ في العالم كله. أنت تؤدين دور الأم. سيعترف أولادك بجهودكِ وتضحياتك ودعمك يوماً ما وسيبدأون في إظهار تقديرهم لكِ. هذا يحدث دائماً في معظم الحالات. أيتها الأم أنتِ تقومين بأعظم الأدوار! لأنك تهتمين بالقيمة الحقيقية لا القيمة المادية المؤقتة. أنتِ تفهمين نمو القلب والروح. وهذه هي الأمور التي تحمل قيمة عظمى حقيقية وأبدية. هذا هو المكان الذي عليكِ أن تستثمري فيه أفضل ما عندكِ حيث الأمور التي تحمل أهميةً حقيقية، لكي تظل الأمور الرئيسية على الدوام في محور اهتمامك. هذا صحيح...

أنتِ أمٌ متميزة! ولكِ كل الحق في أن تشعري بالفخر بهويتك وبما تفعلينه. ليباركك الرب! أيتها الأم المميزة تذكري دائما ما يلي :
1- اعلمي أن الله بنى مؤسسة الزواج ووضع لدوامها أنظمة تحمي حقوق الأبناء ، الذين هم من أهم أهداف الزواج.
2- صوني واعتني بالأبناء شكرا لله على نعمة الله الكبيرة التي ، علينا أن نصونها
3- خططي لتكون الأولوية في حياتك للأبناء لأنهم من أعظم النعم التي خصّك الله بها .
4- اجلسي وقتا كافيا مع كل واحد من أبنائك أو بناتك على حِدة ،سواء أكانوا صغارا أو كبارا وناقشي معه شؤونه الخاصة وهمومه واطلعي على أفكاره، وأحلامه ورغباته .
5- خصصي وقتا تلتقين فيه مع جميع أبنائك وليكن وقتا ممتعا على وجبة لذيذة ، أو نزهة قصيرة ، أو مشاهدة فيلم مناسب ..إلخ
6- اهتمي كثيرا بإشاعة جو المحبة الخالصة بين أبنائك، ولا تسمحي لهم بالسخرية من بعضهم أو التهجم على الآخر، لأن هذه أمور تبقى في الذاكرة وتؤثر على علاقاتهم في المستقبل .
7- علمي أبناءك أن يحترم الصغير الكبير وأن يعطف الكبير على الصغير.